قبل أن أخط قلمي لأكتب مقالتي، تدور في مخيلتي مجموعة من الجمل والمفردات، ( الدمار، الحصار، أصحاب البيوت المدمرة، ملف الاعمار، المصالحة ، الوحدة الوطنية ، الانقسام، الحسم ، الانقلاب... الخ )، كل هذه المفردات بدأت هي حديث الشارع، لم نعد نسمع عن فلسطين وجوهر القضية، لم نعد نسمع عن الدولة والعودة وتقرير المصير، لا في الشارع ولا في المؤسسات ولا في الإعلام، وإن كان البعض يتناولها بخجل، أؤكد أن كل هذه الثوابت، لم ولن تغيب عن عقول وأذهان كل فلسطيني، لا في الوطن ولا في الشتات، ولكن الانقسام المدمر الذي أحاط بالقضية، والذي أصبح نكبة جديدة للشعب الفلسطيني، ربما تكون الأخطر والأشد خطورة من نكبة عام 1948، هو سبب رئيسي في تراجع القضية الفلسطينية، وعدم تصدرها عناوين الأخبار والسياسة في العالم، حيث أصبح الحصار وإنهاء الانقسام وإعادة الاعمار هم حديث الساعة.
في السابع والعشرين من كانون أول / ديسمبر، يكون قد مضى عام على الذكرى الأولى للحرب الإجرامية البشعة على قطاع غزة، ونحن نحيي ذكرى الحرب ذكرى العدوان ليس ابتهاجا بل لتسليط الضوء على جرم هذا المحتل الصهيوني الغاشم من جانب، و لتسليط الضوء على من شردوا وهجروا ودمرت بيوتهم ومنازلهم فوق رؤوسهم ورؤوس أبنائهم من جانب آخر.
لقد مضى عام على هذا العدوان ومازالت قضية إعادة الاعمار متوقفة ( مكانك سر )، وهنا نطرح سؤال مشروع هل تأخر إعادة الاعمار لغزة متوقفة بسبب الحصار ؟ إن كانت الإجابة بنعم فإن جماهير شعبنا المدمرة بيوتهم، ستقبل ذلك لأنه جزء من الحرب على شعبنا، ولكن إن كانت الإجابة لا، فإن جماهير شعبنا لم تقبل ذلك ولن تسكت وحتما ستثور على كل من يعيق هذا الملف، لأن شعبنا يعلم علم اليقين أن الانقسام والهرولة خلف السلطة الواهية الزائلة والصراع على من يسيطر على هذا المال - مال أصحاب البيوت المدمرة- هو السبب الرئيسي خلف توقف ملف إعادة إعمار قطاع غزة.
إن استمرار حالة الانقسام والتشرذم في الساحة الفلسطينية، لا يشكل خطر على القضية الفلسطينية فحسب بل يشكل خطراً على الوجود الفلسطيني برمته، حيث أصبح في غزة خطاب وسياسة إعلامية وسياسية مختلفة تماما عما هو في الضفة الغربية، وتستمر الحكومة المقالة بنهجها وكأن الوضع سيستمر على ما هو عليه، وكذلك في الضفة، وأخشى ما أخشاه أن نصبح نتحدث عن كيان في الضفة وآخر في غزة بسبب استمرار الانقسام، إن هذه المؤشرات الخطيرة، تتطلب العمل، وبشكل مكثف من خلال كل الغيورين على مصالح شعبنا، وعلى قضيتنا من أجل إنهاء حالة الانقسام، ولم يأتي ذلك إلا من خلال الضغط الجماهير الرافض لاستمرار هذه الحالة الغريبة عن العرف الفلسطيني، وإن تطلب الأمر العصيان والتمرد الشعبي في الضفة وغزة.
الحرب على غزة ببشاعتها وعدوانيتها، والركام والدمار الذي ما زال يفترش المناطق المدمرة، كان من المفترض أن يكون المدخل الرئيسي والأساسي، للإخوة في حركتي فتح وحماس لإنهاء حالة الانقسام والإسراع باستعادة الوحدة الوطنية باعتبارها الشرط الرئيسي لتحرير فلسطين كل فلسطين، كان من المفترض أن ننسى كل الخلافات والتجاذبات ونعود نوحد صفوفنا، ونفكر معا كيف نعيد غزة إلى ما كانت عليه، ونتلمس الجراح ونفضح الاحتلال ونواجه هذا العدوان ونحن متحدين متمترسين خلف خيار المقاومة وضمن إستراتيجية موحدة تكفل لنا مقاومة ناجحة على كل الصعد السياسية والإعلامية والعسكرية والثقافية .. الخ، إن مرور عام على المحرقة الإسرائيلية على قطاع غزة من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي، دون استعادة الوحدة وإعادة إعمار ما دمرته هذه المحرقة، يضع علامات استفهام كبيرة على كل من يعيق إنهاء حالة الانقسام وإعادة الوحدة لشعبنا وإعادة الاعمار.