10-09-06 : تاريخ اليوم    
القائمة البريدية الأجندة عناويين جبهة العمل تعريف بنا
 
 
-
g
g
g
g
g
g
g
فضل النقيب | زمن الحكيم
-

بقلم: فضل مصطفى النقيب



(1)


كان الشاعر ت.س.اليوت يلخص القضية التي نحن بصددها بقوله: الشعراء السيئون يقترضون من الآخرين، أما الشعراء الجيدون فإنهم يسرقون الآخرين.


لم يكن جورج حبش شاعراً .


فلقد عاش طوال حياته وهو يناضل من أجل استرداد ما سرقوه  من أرضه وشعبه ووطنه.


ولقد تميز ذلك النضال ، في أن صاحبه تمكن من الاحتفاظ بالأهداف التي انخرط في النضال من أجل تحقيقها ،ً وعلى امتداد ستة عقود، بينما تراجع كثير من القادة الفلسطينيين الآخرين عن تلك الأهداف .ولقد تمكن من ذلك لأنه فهم معنى النضال طوال حياته بطريقة واحدة، وهو انه الوسيلة التي يستعملها من أجل الحصول على "القوة" لدعم "الحق" ولم يفهمه أبداً على أنه وسيلة استخدام "الحق"  من أجل الحصول على "القوة". ولذلك كان من القادة القلائل الذين تصرفوا طوال تلك العقود على اساس أن الوطن هو "فلسطين" وليس "القضية الفلسطينية"  ولذلك ظل قادراً على أن يفهم العلاقة الحقيقية التي تربط أي حدث بفلسطين. أي كيف تكونت بدايات  ذلك الحدث  في "الماضي الفلسطيني" وكيف تطورت حتى وصلت الى "الحاضر الفلسطيني" وما هي احتمالات صيرورة الحدث  في "المستقبل الفلسطيني" .وبسبب هذا الفهم ظل دائماً قادراً على أن يتعامل مع الواقع بكل أبعاده المرئية والخفية وأن يتجنب الوقوع في الأوهام التي تخلقها حوادث عارضة.


في البداية تشكل فهم جورج حبش لحجم النكبة بشكل غريزي،.ففي عمر 23 سنة وجد نفسه في الجامعة الأمريكية في بيروت وقد تم طرده من بلده وتشريد معظم شعبه. وكان طبيعياً جداً أن يشعر بالدفء الغامر وهو يجد طلاباً عرباً ليسوا فلسطينين يتحرقون مثله لعمل شئ من أجل فلسطين وكان طبيعياً جداً أن يتحول ذلك الشعور الى تأمل وتفكير وهو يستمع الى استاذ مرموق (قسطنطين زريق) يتحدث عن معنى النكبة وأنها نكبة لكل العرب وليست خاصة بفلسطين.


من ذلك الشعور الدافئ وذلك التأمل والتفكير تكرس في وعي جورج حبش العلاقة الجدلية بين نكبة فلسطين وواقع التجزئة المفروض بقوة الاستعمار في الوطن العربي . فنكبة فلسطين وقيام إسرائيل حدثا بسبب الضعف الذي كرسته التجزئة في الوطن العربي وإسرائيل بدورها ستعمل على الإبقاء على الضعف العربي عن طريق الحفاظ على التجزئة ومنع الوحدة.


من ذلك التأمل والتفكير ولدت حركة القوميين العرب كرد فعل مباشر للنكبة ويلبي حاجتين غريزيتين شعر بهما كل رجل فلسطيني وكل أمرأة فلسطينية بعد نكبة 1948.


كانت هناك حاجة ملحة للانتماء لكيان أكبر من المخيم و اللجوء والتشرد وفي حركة القوميين العرب كان الانتماء الى الأمة العربية ذات التاريخ المجيد والتي كان لها دور أساسي في تاريخ الحضارة الإنسانية.


وكانت هناك حاجة ملحة لإكتشاف طريق العودة الى فلسطين وتحديد اساليب النضال القادرة على تمهيد ذلك الطريق والسير فيه بسرعة.  وفي حركة القوميين العرب كان طريق العودة يتحدد في الالتزام  بالنضال الهادف الى بناء المجتمع العربي الجديد على اسس نهضوية متحرره من كل أسباب التأخر والضعف حتى يكون قادراً على  تحطيم التجزئة التي فرضها الاستعمار وإقامة دولة الوحدة وجيشها القادر على تحرير فلسطين.


 تميزت حركة القوميين العرب بصفتين هامتين كان لهما تأثير كبير على مسيرتها السياسية. الصفة الأولى أنها لم تتبن "القومية" كأيديولوجية وانما كانتماء نابع من التاريخ والجغرافيا والثقافة وكان ذلك واضحاً جداً بتأثرها بأفكار قسطنطين زريق وساطع الحصري والصفة الثانية أنها التزمت بالأسلوب الثوري وليس بأسلوب التطور التدريجي في العمل السياسي ولذلك كانت تنمو بأجواء مهيأة لتكريس الالتزام بمفهوم ضرورة الثورة على الآنظمة السياسية القائمة في البلدان العربية وإستبدالها بأنظمة مغايرة في التوجه والممارسة وقادرة على مقاومة الإستعمار وتحقيق الوحدة والتصدي للمعركة التاريخية مع إسرائيل.


ولقد شكلت هاتان الصفتان السبب الرئيسي الذي جعل حركة القوميين العرب ،بعد قيام ثورة 23 يوليو، من أشد المتحمسين والمؤيدين لنهج عبد الناصر الثوري ومن أول الداعين الى التماهي والانخرا ط في التيار الناصري .:فلقد كان الالتزام الناصري بالقومية العربية مبنياً أيضاً على اسس التاريخ والجغرافيا والثقافة وليس الفكر الايديولوجي وكان التزام التيار الناصري بالأسلوب الثوري قد ألهب عاطفة وخيال الجماهير العربية بشكل غير مسبوق.


كانت حركة القوميين العرب حركة حقيقية ، متطورة ،حية، وككل الكائنات الحية كان لها وقت حياة وكان لها وقت موت .


 عاشت الحركة طوال سنوات الخمسينات والستينات التي  كانت تنموفيها بين الجماهير في معارك النضال من أجل تحطيم التجزئة وإقامة دولة الوحدة وعندما توقفت تلك المعارك بتأثير هزيمة 1967 توقفت الحركة عن التنفس والنمو والحياة وتوقفت . وبذلك تميزت عن كثير من الحركات السياسية العربية التي تأسست قبلها أو بعدها  وأصبحت بعد عشرات السنين كائنات غريبة عجيبة لا هي حية ولا هي ميته.


طرحت هزيمة 1967 مرة أخرى موضوعي ا لانتماء وطريق العودة  للتساؤل، وإذا كانت فداحة الهزيمة العسكرية للجيوش العربية قد كرست على الفور تغييراً جذرياً في مفهوم "طريق العودة" ’يسقط إسلوب الاعتماد على دولة الوحدة العربية القادرة على تعبئة الجماهير العربية وإعداد جيش قادر على خوض معركة التحرير، واستبداله بمفهوم الاعتماد على الشعب الفلسطيني في خوض معركة تحرير وطنه بإسلوب حرب التحرير الشعبية .فإن ذلك الإجماع على تبني ذلك الاسلوب لم يصاحبه إجماع في موضوع الانتماء. إذ أفرزت الهزيمة تيارين جديدين في مجال الانتماء في صفوف الشعب الفلسطيني.


التيار الاول رأى أن الهزيمة حدثت تحت راية "الانتماء القومي "  الذي جعل الشعب الفلسطيني يغيب عن ساحة المعركة ولذلك فإن الرد الطبيعي على الهزيمة يبدأ عندما يتسلم الشعب الفلسطيني زمام قضيته بيده ويحررها من "الوصاية العربية" ويشرع في بناء مشروع وطني فلسطيني يعتمد على الدعم العربي في نفس الوقت الذي  يحتفظ فيه بالقدرة على القرار المستقل.


أما التيار الثاني فقد رأى أن الهزيمة أثبتت أنه ليس صحيحاً أن لكل طبقات الأمة العربية مصلحة واحدة في الصراع ضد إسرائيل وخوض معركة تحرير فلسطين. على أساس أن هناك أنظمة تمثل مصالح فئات وطبقات عربية مرتبطة بالإمريالية الأمريكية المتحالفة عضوياً مع أسرائيل ولهذا فإن الصراع ضد اسرائيل هو بحكم طبائع الأمور صراع ضد الانظمة الرجعية العربية وضد الطبقات البرجوازية العربية أي أن أصحاب المصلحة الحقيقية في خوض ذلك الصراع والاستمرار فيه هم جماهير العمال والفلاحين المتضررة من تحالف الإمبريالية والرجعية وإسرائيل.


في البداية كان التركيز على "طريق العودة "فقط  ولذلك ولدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين  كتجمع جبهوي لبضعةتنظيمات فلسطينية مقاتلة  ملتزمة بأسلوب الكفاح المسلح  وحرب التحرير الشعبية ، وبعد  سنوات قليلة ،برزت خلالها انقسامات وصراعات سياسيةكثيرة قادت الى حسم موضوع "الانتماء" وأصبحت الجبهة تنظيماً فلسطينياً  مقاتلاً في طريق التحول لأن يصبح حزباً ثورياً  متسلحاً بالنظرية الماركسية-- اللينينية .


وكما كان لجورج حبش  دور رئيسي في تأسيس  حركة القوميين العرب بعد نكبة 1948 كان له أيضاً دور  رئيسي في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد هزيمة1967


حمل التوجه الجديد في الساحة الفلسطينية ،بعد هزيمة 1967، احتمالات إيجابية كثيرة كما حمل احتمالات سلبية كثيرة.ولا يوجد عاقل لا يعترف الان، وبعد أكثر من أربعين سنة، أن المحصلة كانت على العموم سلبية على الرغم من كل التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني والشعب العربي في لبنان ومصر وسوريا. .وفي هذا المجال يبرز دور جورج حبش في أنه كان نموذجا من القادة القلائل وقد اتسمت قيادته باستمرار في النضال من أجل دعم وتعزيز العوامل الإيجابية ومحاربة العوامل السلبية. ومن الممكن تحديد دور جورج حبش الإيجابي عبر استعراض سريع للتوجهات الثلاثة التي تكرست في الساحة الفلسطينية كنتيجة لهزيمة 1967.


كانت حركة فتح من أول من طرح فكرة عدم جدوى خوض الصراع مع اسرائيل بإسلوب حرب الجيوش النظامية وضرورة الالنزام بأسلوب حرب التحرير الشعبية وكان العامل الايجابي في هذا الظرح هو أن فيه قراءة واقعية لميزان القوى بين الطرفين .ولكنه في نفس الوقت كان مبنياً على تناقض صارخ في أن فتح طرحت مقولة "عدم التدخل في الشؤون العربية" في نفس الوقت الذي بدأت فيه بتكوين سلطة فلسطينية مقاتلة على الاراضي العربية وكان لا بد أن يقود ذلك الى الاصطدام بسلطة الأنظمة العربية المعنية. وهذا ما حصل بالفعل في الحروب الاهلية التي اندلعت في الأردن ولبنان . وفي هذا المجال يمكن تسجيل نقطتين هامتين : الاولى هي أنه بينما ارتكبت كل الفصائل الفلسطينية، في تلك الحروب، أخطاء وتجاوزات وحماقات كثيرة.إلا أنه  من الممكن القول بأن نصيب الجبهة الشعبية من تلك الآخفاقات كان الأقل بين كل الفصائل . والنقطة الثانية هي أن كل التحالفات التي عقدتها الجبهة الشعبية خلال تلك الحروب كان خاضعاً بشكل صارم لتوجه الجبهة الأساسي ضد قوى الإمبريالية الأمريكية والرجعية العربية. وهذا لم يكن الحال بالنسبة لبقية الفصائل الفلسطينية وخصوصاً الفصيل الفلسطيني الرئيسي فتح التي دخلت قيادته في تحالفات كثيرة مع قوى رجعية خدمة لمصالح ذاتية. وفي هاتين النقطتين كان لقيادة جورج حبش دور رئيسي في حسم خيارات الجبهة وعدم الانجرار وراء الممارسات الخاطئة التي شاعت في المشهد الفلسطيني.


وفي موضوع التوجه نحو إعطاء الشعب الفلسطيني الدور المحوري في تحرير أرضه واعتبار أن الدور العربي لا يتخطى دور الدعم والمساندة فقد كان ينطوي في البداية على عوامل إيجابية كثيرة تتمحور حول تعريف العالم بالقضية الفلسطينية كقضية تخص شعباً محروماً من مزاولة حقه في تقرير المصير وليست مجرد قضية لاجئين.وقد حقق النضال الفلسطيني في ذلك المجال إنجازات هامة وخصوصاً بعد اعتراف الجامعة العربية بمنظمة التحرير للفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وكذلك اعتراف الأمم المتحدة بها ومنحها صفة مراقب وبشكل عام فقد نجحت منظمة التحرير في تكريس مكانتها في العالم كحركة تمثل شعباً يخوض معركة التحرر الوطني..


في نفس الوقت كان هناك ممارسات مستمرة من قبل قيادة فتح ،التي احتكرت قيادة المنظمة طوال الوقت، في التخلي عن مهمات معركة التحرر الوطني وتسخير المشروع الوطني الفلسطيني للتكيف مع المصالح الذاتية لتلك القيادة . ولقد نجحت تلك الممارسات في  فك إرتباط القضية الفلسطينية بالقضية القومية بشكل حصلت فيه تلك القيادة على حرية أتخاذ القرارات وتقديم التنازلات وهذا ما قاد أخيراً الى كارثة أوسلو والاعتراف باسرائيل دون أن تعترف الاخيرة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.كما أن تلك الممارسات قد نجحت في تسخير وضع "منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني" كرخصة لتطويع المنظمة حتى تصبح "نظاماً عربيا  آخر" له كل صفات الأنظمة العربية من دكتاتورية وفساد وتعسف . وفي خلال سنوات قليلة بعد أوسلو تمكنت قيادة المنظمة من تأسيس سلطة فلسطينية في الضفة والقطاع لها أجهزة قمعية متحالفة مع "مافيات" وتخدم مصالح طبقة فاسدة ترتبط مصالحها بالاحتلال.


تصدت الجبهة الشعبية بشكل دائم لتلك الممارسات وكان جورج حبش خلال سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات من أشد المعارضين لنهج القيادة غير المسؤول في منظمةالتحرير ومن أشد الداعين لإعادة بناء أجهزة المنظمة على أسس ديمقراطية سليمة تحررها من قبضة القيادة الفردية وتحرر مؤسساتهاوأجهزتها من استشراء داء الفساد  والفوضى وعدم المبالاة. كما أن الجبهة تمكنت من الحفاظ على وحدتها التنظيمية كفصيل فلسطيني وطني ولم تتحول الى تجمع شخصيات لكل واحدة منها ارتباطاتها الإقليمية والدولية كما حصل في تنظيمات أخرى.


ولكن الجبهة الشعبية لم تكن في وضع يسمح لها بإحداث التغيير المطلوب في الساحة الفلسطينية على أساس أن حجمها كان صغيراً وليس له الوجود المؤثر بين الناس ، وسبب ذلك يقودنا فوراً الى الموضوع الثالث وهوالتوجه الإيديولوجي الذي تبنته الجبهة.


 عندما تأسست الجبهة مباشرة بعد هزيمة 1967 كان حجمها ووزنها السياسي يضاهي حجم ووزن فتح وكانت مؤهلة لأن تتطور وتنمو بشكل أسرع من فتح لآنها كانت تعتمد على التراث النضالي لحركة القوميين العرب وبالتالي على وجود أنصار ومِؤيدين على امتداد العالم العربي .


ولكن الانشقاقات التي حصلت في الجبهة وأدت الى انفصال الجبهة الشعبية-القيادة العامة ثم الجبهة الديمقراطية ثم تبني الآيديولوجية الماركسية الليينية بشكل صارخ ومتشنج أدى الى إضعاف الجبهة ومنعها من أن تتطور لتكون ممثلة للمجرى الرئيسي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني وكرس وجودها كفصيل جانبي متطرف.


إن مشكلة التوجه الماركسي ،الذي سارت فيه الجبهة الشعبية بعد هزيمة 1967 ، المبني على أساس أن الهزيمة حصلت بسبب استلام الطبقة البورجوازية الصغيرة لقيادة حركة التحرر العربي أنه كان في جوهره يشكل قراءة خاطئة للواقع العربي في تلك الفترة . فالسبب الرئيسي وراء عدم قدرة حركة التحرر العربية أن تنجز مهمات التحرر الوطني كان غياب الممارسة الديمقراطية في صفوف أنظمتها وأحزابها وليس قيادة طبقة البورجوازية الصغيرة.فليس صحيحاً أن هناك طبقات مِؤهلة للمارسة الديمقراطية وأخرى غير مؤهلة .


وفي هذا المجال ، يبدو أنه من الإنصاف القول أن تحول الجبهة الشعبية في الاتجاه الآيديولوجي المتشنج  ما كان ليتم على الشكل الذي تم به بدون تبني جورج حبش لذلك الاتجاه ودعمه له . وفي نفس الوقت فإن دواعي الآنصاف تقتضي القول بأن جورج حبش، بعد ذلك ، لعب دوراً محورياً  في ترشيد ذلك الإتجاه وتحريره من الجمود الآيديولوجي وتطويره في طريق استخدامه كمنهج جدلي لدراسة الواقع ياسلوب منفتح وخلاق.  وهذا يعود الى صفتين أتصف بهما جورج حبش طوال حياته . الصفة الاولى أنه لم يكن من الناس الذين يرتاحون بطبعهم للنظرة الآيديولوجية الضيقة فهو في طبعه وفي ثقافته له حس التلميذ القادر على الآنفتاح على المعطيات الجديدة ومراجعة الآفكار القديمة بشكل دائم. أما الصفة الثانية فهي أن جورج حبش كان يصوغ آراءه ومعتقداته ، بشكل رئيسي نتيجة الدروس التي يستخلصها من الأحداث وليس من الكتب والنظريات الفكرية. ففي كل الأحاديث التي أدلى بها يبدو واضحاً أن تطوره الفكري قد تم بتأثير أحداث الإنفصال (1961) والهزيمة (1967) وحرب رمضان (1973) والانتفاضة الاولى (1987)  وأوسلو (1993) ومن المهم أن ندرك أن قدرة جورج حبش على استخلاص الدروس والعبر السليمة من تلك الأحداث يعود الى أنه وطوال كل تلك السنوات لم يتواجد في أي موقع له مصالح ذاتية تتعارض مع استخلاص الدروس الموضوعية من الاحداث. ومما لاشك فيه أن ذلك التطور قد أسهم في تصحيح نظرة الجبهة لمعضلة حركة التحرر العربي وفي فهم الدور المركزي للنضال من أجل الديمقراطية ففي أحد أحاديثه لخص جورج حبش تلك النظرة بقوله:" لا يمكن تعبئة الجماهير إلا من خلال الديمقراطية....بل إن قدرة الجماهير على القيام بدورها في التقدم والدفاع عن أهدافها ومصالحها ، مرتبطة بحريتها وتفجير طاقاتها وإبداعاتها،وهذا غير ممكن من دون حياة وقيم ديمقراطية . فالحرية والديمقراطية هما الشرط للسير نحو الوحدة والتحرر والتطور والتنمية واستثمار إمكانات الأمة في مواجهة أعدائها القوميين ولبس العكس" وفي مكان أخر يقول :" لا يجوز أن يكون هناك أي شئ على حساب الديمقراطية. ولا يمكن للشعب أن يحقق أهدافه الكبرى إلا من خلال الحياة الديمقراطية"


ومما لاشك فيه أن الجبهة الشعبية سارت خطوات هامة على طريق بناء أجهزتها بشكل ديمقراطي فهي تعقد مؤتمرات دوريه بشكل دائم ، وتنتخب هيئاتها من القاعدة إلى القمةكما تمارس عملية النقد الذاتي لسياستها باستمرار. ولقد كان من نتائج هذة الممارسة الديمقراطية تـعاقب ثلاثة أمناء عامين على قيادة الجبهة  وهذا لم يحدث في أي فصيل فلسطيني أخر.ومن المهم أن نلاحظ أن جورج حبش لم يتنح عن قيادة الجبهة من أجل أن يتقاعد. بل على العكس لقد ترك المهمات القيادية المباشرةلأنه أدرك أن دوره هو القيام بمهمات أخرى . وقد حدد تلك المهمات عند بلوغه السبعين من العمر بقوله:


أولاًً : أريد أن أسجل تجربتي، أي أن أكتب مذكراتي وأن أتوقف أمام الآخطاء.


ثانياً :أريد العودة للعمل العربي .. أي العمل القومي.


ثالثاً : أريد إنشاء مركز دراسات ، وعنوانه لماذا هزمنا ؟


وقد قام بعد ذلك بسنوات بتأسيس مركز الغد العربي للدراسات الذي تحددت مهمته في البحث في "القضايا الاستراتجية العربية وفي القلب منها القضية الفلسطينية ويسعى لتقديم أبحاث جادة ومعمقة من وجهات نظر متعددة بأفق قومي عربي جديد، على أمل النهوض بالفكر القومي العربي التقدمي الديمقراطي"


وقد اتضح من أحاديث جورج حبش اللاحقة عن المركز في أنه سيركز على الاهتمام بقضايا ثلاث هامه . ألاولى هي قضية الديمقراطية في كل جوانبها النظرية والتطبيقية ومن حيث علاقاتها بالنظام الاقتصادي وموضوع العدالة الاجتماعية والرأسمالية والآشتراكية والليبرالية، والقضية الثانية هي قضية الوحدة العربية .وكيف يجب دراستها باسلوب جديد يبتعد عن العواطف ويراعي خصوصيات البلدان العربية المختلفة ويكرس اسلوب الوحدة التدريجي في المجالات التعليمية والاقتصادية والسياسية وكيف تقوم الممارسة الديمقراطية في ضبط إيقاع الخطوات الوحدوية. والقضية الثالثة تتعلق بضرورة دراسة الصهيونية بإسلوب يبتعد عن النظرة الأحادية التي ترى في الصهيونية حركة واحدة متجانسة وينحو باتجاه الأسلوب العلمي حتى يتم  فهم التطورالتاريخي للحركة ثم تكوين فكرة سليمة عن حاضرها الراهن في كل مقوماتها وفي كل أطيافها السياسية المختلفة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، وبشكل محدد فإنه يقول: " يجب أن نفهم الصهيونيةبعمق وتجرد، نفهم كيف تطورت، نفهمها كما يفهمها نتنياهو، زائد كيف يفهمها شمعون بيرس، زائد كيف تفهمها حركة ميرتس ، زائد كيف يفهمها بعض اليهود الذين فعلاً لديهم عقل وضمير وبالتالي يقولون أنه يجب أن نتعايش مع الفلسطينين من خلال دولة فلسطينية مستقلة"


في الواقع، يمكن النظر الى  مضمون هذه القضايا الثلاث على أنها النواة الحقيقية لتجديد المشروع القومي العربي على اساس ديمقراطي يعتمد الاسلوب العلمي كطريقة ومنهج. ومن المهم أن نلاحظ أن السير في هذا الاتجاه لم يكن فقط تعبيراً عن تجربة النضال الفلسطيني كما تمثلت في تجربة الجبهة الشعبيه ولكنه يمثل إلى حد بعيد تجربة النضال الفلسطيني ككل . فإذا دققنا في تجربة الفلسطينيين الذين لم يغادروا فلسطين وعاشوا تحت الحكم الإسرائيلي نرى في ذلك التطور نفس الخطوط العريضة .  فتطور تلك التجربة مر أيضاً في المرحلة القومية العاطفية(منظمة الآرض) ثم في المرحلة اليسارية والتناغم مع فصائل منظمة التحرير ( الحزب الشيوعي ) وصولاً الى الطرح القومي العربي بمضمون ديمقراطي (عزمي بشارة)


وهكذا نرى أن معنى تخلي جورج حبش عن منصب الأمانة العامة للجبهة الشعبية والمهمات القيادية المباشرة كان من أجل تحقيق هدف واحد وهو التحرر من أعباء القضايا اليومية والتفرغ كلياً لقضايا المستقبل.


وهكذا نرى أن القضايا الفكرية والسياسية التي  كانت محور اهتمام جورج حبش في سنواته وأشهره وأسابيعه وأيامه الآخيرة هي القضايا التي ستشكل محور اهتمام المناضلين على امتداد العالم العربي في السنوات القادمة.فلقد كان دوماً مسكوناً بهموم المستقبل . المستقبل الذي لا يأتي من فراغ ولكن من إرهاصات وتراكمات الماضي والحاضر.فجورج حبش كان يجمع في شخصه كل تجربة حركة القوميين العرب وكل تجربة الحركة الناصرية  وكل تجربة نضال الشعب الفلسطيني في الأربعين سنة الماضية. وكان متفائلاً.


ما هي الصفات الشخصية التي نعرفها عن هذا الانسان الاستثنائي؟


(2)


تعرفت على جورج حبش وأنا في المدرسة الثانوية سنة 1954.


كنت مع مجموعة من التلاميذ ، الفلسطينين والسوريين في دمشق،أعضاء في جمعية سرية تعمل على النضال من أجل تحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين، وكنا قد رأينا أعداداً من النشرة التي يتم توزيعها  بشكل دوري  في المخيمات والمدارس الفلسطينية وتحمل اسم "الثأر" وتصدرها هيئة مقاومة الصلح مع إسرائيل.وكنا متلهفين لمعرفة من هي تلك الهيئة  وكيف يمكن الاتصال بأعضائها.وفجأة وجدت أخي عصام، وكان في سنته الأولى بعد التخرج من الجامعة، يحدث أبي وأمي عن شخص يدعى الدكتور جورج حبش الذي هو القائد البارز لحركة سياسية جديدة تدعى "الشباب القومي العربي" .وأنه كان يصدر مجلة الرأي في عمان وبعد إغلاقها من قبل الحكومة الأردنية وملاحقته حضر الى دمشق ويقوم حالياً مع مجموعة من الشباب القومي العربي بالإعداد لإصدار المجلة في دمشق.


بعد حوالي الأسبوعين من ذلك بدأت مجلة الرأي تصدر من دمشق وبدأ أخي عصام مع مجموعة من الشباب القومي العربي  يعقدون أجتماعاً اسبوعياً في بيتنا كهيئة لتحرير المجلة ، فتعرفت على الدكتور جورج حبش وهاني الهندي وعدنان فرج وفيصل الخضراء وغسان محاسني وثابت المهايني والحكم دروزة وبقية المجموعة واخذ واحد منهم يعطيني خمسين عدداً من نشرة الثأر وخمسة وعشرين عدداً من مجلة الرأي لأقوم مع بقية أعضاء الجمعية بتوزيع النشرة على طلاب المدارس وبيع أعداد المجلة للأصدقاء.


دعاني ذلك الشاب بعد ذلك مع أعضاء الجمعية لتشكيل حلقة من حلقات "الشباب القومي العربي" وكان ذلك بداية انتسابي مع بعض أعضاء الجمعية لحركة القوميين العرب.


كما كان ذلك بداية زياراتنا اليومية لمقر مجلة "الرأي" ،وكان عبارة عن غرفتين صغيرتين في الطابق الرابع لعمارة في شارع جمال باشا مقابلة لعمارة الهاتف الآلي وهناك تعرفت على غسان كنفاني وكان قد أنهى الدراسة الثانوية ويعمل مدرساً في الكويت  كما تعرفت  على بلال الحسن وكان مثلنا ما زال في المدرسة الثانوية


كنت مع أحمد خليفة وبلال الحسن وقتادة الشريف وبضعة أصدقاء آخرين  نهتم بالأدب والثقافة بشكل خاص فألفنا  رابطة "الأدب والحياة" وأصبحنا نقوم بالإشراف على تحرير الصفحة10  في مجلة الرأي الخاصة بالشؤون الثقافية مما جعلنا  نتواجد في مكتب المجلة بشكل يومي تقريباً.


منذ البداية ، كنا نشعر بمعنى خاص للساعات التي نقضيها هناك، إذ كان الدكتور جورج موجوداً وكان اسمه  قد أصبح بالنسبة لنا هو "الحكيم" فذلك كان الاسم الذي يناديه به جميع أصدقائه وهو الاسم الذي ينادي به الفلاحون في فلسطين طبيب الصحة.


كان في  شخصية" الحكيم" جاذبيه مميزة آسرة لأنك كنت تشعر فور التعرف عليه أنك قد تعرفت على شخص مهم وغير عادي  وبنفس الوقت كنت تشعر أنك تعرفت على شخص سيكون صديقاً لك ولن يكون بينك وبينه أي حاجز.


لقد رأينا في شخصية الحكيم مزيجاً ساحراً من النشاط والعفوية والأصالة.لم نعهده من قبل.


كان دائم الحركة والنشاط ففي مكتب الرأي كان دوماً يقضي وقته في الكتابة أو القراءة أو الحديث مع أحد الزوار وكان عندما ينتهي من ذلك يترك المكتب حيث يكون على موعد لمزاولة نشاط أخر.ولا أعتقد أنني رأيته في تلك الايام مرة واحدة جالساً بدون أن يكون منهمكاً بعمل ما. :كان يكرس كل طاقاته وكل إمكاناته في أي عمل يقوم به مهما كان ذلك العمل. وكان ذلك يشيع جواً من الحركة والنشاط من حوله فترى أن كل الذين يعملون معه يجهدون ليقدموا  كل ما عندهم من طاقات وإمكانات


عندما يكون الحكيم موجوداً أ في مكتب "الرأي". كانت وتيرة العمل والنشاط أعلى بكثير من الوقت الذي لا يكون موجوداً فيه.


كان في كل ما يقوم به عفوية وبساطة آسرة . فعندما كان يتناول الطعام في مكتب الرأي كان يتناوله مع الشاب الذي يعمل كعامل في المكتب. وفي ذات مساء كنت وإياه وحيدين في المكتب وحضر لرؤِيته أحد رجال السياسة فعرفني عليه وأشركني في الحديث الذي دار معه بالرغم من كون ذلك الزائر زعيم كتلة برلمانية كبيرة في مجلس النواب السوري وأنا طالب في المدرسة الثانوية ..


وفي إحدى الأمسيات لم يكن في المكتب الا أنا اراجع بعض "مواد الصفحة 10" والحكيم في الغرفة الأخرى يكتب المقال الافتتاحي للعدد الجديد من المجلة.وعندما دخلت عليه لأرى أذا كان قد انتهى من كتابة المقال لكي آخذه الى المطبعة في طريق عودتي للبيت وجدته يمسح دموعه بإصابع يده، وعندما لاحظ أني رأيت ذلك ابتسم وقال إن من عادته أن تدمع عيناه عندما يكون متأثراً من شئ ما .ثم تابع الكتابة.


 بعد يومين صدر عدد "الرأي" الجديد وفيه افتتاحية يرد فيها حديث عن المجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني..


وكان في أحاديثه السياسية دوماً شيئاً أكبر من السياسة . عندما كان يتحدث عن القومية العربية كنت تشعر وكأنه عاش في الزمن العربي الذهبي وأنه يعرف كل أبطال  التاريخ العربي معرفة شخصية. وعندما كان يتكلم عن الوحدة العربية كنت تحس وكأنه قد سافر للمستقبل العربي وعاش في دولة الوحدة ثم عاد ليحدثنا عما رآه هناك. أما عندما كان يتحدث عن فلسطين فكنت تحس وكأنه ما زال يعيش فيها ولم يتركها للحظة واحدة.


كان من الواضح أن حديث الحكيم يحرك في أعماقنا  شيئاً  ما.


كان من الواضح أن تصرفات الحكيم تستنهض في نفوسنا طاقة ما


ولهذا فقد أحببناه وأصبح كل واحد منا يعتقد أن الحكيم صديقه السشخصي.


وفي ربيع عام 1956 شاركت في مخيم أقامه "الشباب القومي العربي" في برمانا في لبنان وتعرفت فيه على شباب لبنانيين وعراقيين وفلسطينين من الضفة الغربية ووجدت أن الذين يعرفون الحكيم منهم يتحدثون عنه بحرارة وحب مما يشير الى أنهم يشاركونني نفس الشعور نحوه.


في مطلع عام 1959 سافرت للدراسة في الولايات المتحدة وبعد حصولي على شهادة الماجستير عدت لمدة سنتين للبلاد العربية ثم سافرت لكندا وحصلت على شهادة الدكتوراة وعملت استاذا في أحدى الجامعات الكندية التي ما زلت أعمل فيها حتى اليوم.وطوال كل تلك السنوات ، بإستثناء فترة 1970-1975،  لم أنقطع عن رؤِية الحكيم والتواصل معه بشكل مستمر .


في عقدي الثمانينات والتسعينات كان  الحكيم يقيم مع أسرته في دمشق وفي زيارتي السنوية لأهلي  كل صيف كان أخي أسامة ( وهو من أقرب اصدقاء الحكيم  منذ 1956) يخبرني عن موعد لقائنا مع الحكيم ونحن في الطريق من المطار الى البيت. وفي كل زيارة لدمشق كنت ألقاه عدة مرات .كما انني التقيت به في بيروت وعمان والكويت .وأحب هنا أن أتوقف عند أربع مناسبات فقط من تلك اللقاءات.


الأولى كانت  في بيروت في صيف 1975.


وصلت بيروت قادماً من كندا مع بدايات الاشتباكات التي قادت للحرب الأهلية وعلى الفور ذهبت لرؤية الحكيم مع الصديق نوبار هاغوبيان في مقر الجبهة الشعبية في مخيم شاتيلا.


كنت قد التقيت بالحكيم أكثر من مرة بعد هزيمة 1967 وبعد تأسيس الجبهة الشعبية ثم انقطعت عن لقاءه لمدة خمس سنوات حدثت بها أحداث جسام وانتقل فيها الحكيم من شخصية معروفة على  نطاق  العالم العربي الى شخصية معروفة على اتساع العالم ولذلك فقد ذهبت الى ذلك اللقاء وأنا متلهف لرؤية الشخصية التي كنت أعرفها عن كثب في الماضي ثم أصبحت أتتبع أخبارها من شاشات التلفزيون الامريكي وعناوين الصحف العالمية.


كم كانت دهشتي وفرحتي عندما اكتشفت أن الحكيم لا يتغير.


 لا أقول ذلك لإنه إستقبلني وتحدث معي تماماً وكأني القاه بعد أيام من لقائي الأخير به.


وأنما لإن حديثي معه أعادني الى أجواء السياسة التي أفتقدتها منذ سنوات. ففي بداية السبعينات حدث تغير كبير في طبيعة أحاديث رجال السياسة في العالم العربي. لقد إختفت أجواء النقاش والحوار والتفاعل التي كانت سائدة في الخمسينات والستينات ، وحلت محلها أجواء الخطب والمحاضرات .  لم أجتمع بقائد سياسي في تلك الفترة عنده تساؤل أو شك حول أي موضوع .  كانت عملية الاستماع لحديث أي سياسي عملية صعبة مملة لآنها كانت في الواقع عبارة عن استماع الى خطاب سياسي. ولهذا عندما وجدت الحكيم ما زال يستمع أكثر مما يتكلم ، ويطرح مواضيع تشغل باله وتثير في ذهنه تساؤلات ، عندما وجدت أن الحكيم ما زال قادراً على الدهشة والحماس لأفكار جديدة ، شعرت براحة نفسية كبيرة.


 تحدثنا وتناقشنا وتناقلنا أخبار الأصدقاء المشتركين وعندما هممت بالانصراف وكانت الساعة قد قاربت العاشرة مساء قال إنه ذاهب أيضاً الى البيت ويستطيع توصيلي في سيارته الى الفندق.


في الطريق ونحن نمر في منطقة شديدة الازدحام توقفت السيارة بسبب عطل مفاجئ في إحدى عجلاتها  فنزلنا منها ووقفنا في الطريق ننتظرأن يفرغ السائق من عملية تركيب عجلة أخرى . تبادلت مع نوبار نظرات قلق وترقب  خوفاً على سلامة الحكيم بينما راح هو يتابع الحديث الذي كان قد بدأه في السيارة وكان يسألني عن رأيي في مشكلة التضخم المالي التي كانت تعصف بالاقتصاد الامريكي ذلك الوقت، وبدون أن يبدو عليه أي  قلق أو ترقب .


ومع ذلك فعندما خلوت لنفسي في الفندق وجدت أن الحياة في خضم الأحداث والشهرة الإعلامية قد أحدثت تغييراً ما في شخصية الحكيم . لقد رسمت على وجهه مسحة حزن لم أعهدها في السابق.  وأذكر أني ظللت لإيام، بعد ذلك، اتساءل بيني وبين نفسي: هل جاء ذلك الحزن من أحداث السنين الماضية، أم أنه نذير من السنوات القادمة؟


المناسبة الثانية التي احب أن أتوقف عندها كانت في صيف سنة 1980 في دمشق.


كنت أزور أهلي في الصيف وذات يوم جاء أخي أسامة مهموماً وأخبرني أن  وعكة صحية مفاجئة قد ألمت بالحكيم وأنه سيحضر في المساء من بيروت لدمشق لإجراء الفحوصات الطبية.


حضر الحكيم الى بيت اسامة في المساء ومعه زوجته هيلدا وأحد أصدقائه من الأطباء اللبنانيين . وعلى الفور أخذ الحكيم يتحدث معي كعادته بينما ذهب أسامة وهيلدا والطبيب الى غرفة أخرى لإجراء الاتصالات بالاطباء والمراكز الصحية للحصول على مواعيد إجراء الفحوص وبعد أن فرغوا من ذلك انضموا إلينا واشتركوا بالحديث الدائر حول أوضاع المقاومة في لبنان.


في منتصف الليل تركت عائداً الى بيتنا وقد نسيت تماماً أن الحكيم يعاني من عارض صحي حتى أنه عندما سألني أبي عن وضع الحكيم الصحي لم أستطع أن أزيد على ما قاله له لنا أسامه قبل أن التقي بالحكيم.ولقد تكرر ذلك الموضوع فيما بعد أكثر من مرة. كل مرة ذهبت لأرى الحكيم وفي نيتي الاطمئنان على صحته عدت وأنا أفكر في أشياء أخرى لا علاقة لها بصحته . وفي إحدى تلك المرات أبديت استغرابي من ذلك الوضع لأخي أسامة. فابتسم وقال: " هذا هو الحكيم" وبعد فترة تأمل عاد يقول:


" كل من خاض تجربة التعذيب في السجون العربية يدرك أن السجين ينتصر في تلك التجربة على سجانيه عندما ينجح بينه وبين نفسه  في عدم التفكير في مصير جسده باعتبار أنه فقد السيطرة عليه كلياً وأصبح   تحت سيطرة السجان.  أن القدرة على ذلك التصرف تمنح صاحبها  قوة لامتناهيه من العزيمة والإصرار والقدرة على الصمود والتحدي..... وبنفس المنطق فإن الذي يميز الحكيم عن غيره من القادة هو قدرته منذ البداية على حسم موضوع الشأن العام والشأن الخاص فمنذ البداية وهو قادر على التصرف بدون أي أهتمام بقضاياه الشخصية، سواء أكانت مادية أو صحية, ولقد منحه  ذلك التصرف  قدرة هائلة على الاحتفاظ بمبادئة وقيمه وأخلاقه تحت أقسى الظروف..".


أما المناسبة الثالثة  فكانت  في صيف عام 1982 وأيضاً في دمشق.


أبحرت سفن المقاومة من بيروت بعد الحصار التاريخي الذي استمر ثلاثة اشهر ووصلت السفينة التي تقل الحكيم الى شاطئ طرطوس وجاء هو والمقاتلون إلى دمشق


لن انسى أبداً لقائة بزوجته هيلدا وبناته ميساء ولما.وكانت هيلدا ولما قد تركتا بيروت وحضرتا الى دمشق قبل ذلك بإيام والتقيا بميساء التي حضرت من ألمانيا الشرقية حيث كانت تدرس الطب في إحدى جامعاتها .في تلك الأمسيه تعرفت على جانب من شخصية الحكيم لم أكن أعرفه في السابق وهو ما يخص حياته العائلية.


كان في عيون هيلدا وعيون ميساء وعيون لما فرحة حب جارف تجلى لي يومها بأنه قادر على حماية الحكيم من كل شرور الأرض وخصوصاً وأنا أرى ذلك الحب يكبر ويتضاعف في عيون الحكيم .


بين العناق والقبل رأيته يمسح دموعه فعدت سنوات الى الوراء عندما كنت أراه يمسح دموعه وهو يكتب افتتاحية مجلة "الرأي".


كان من الواضح لي أن الحكيم لم يكن يعتقد أنه سيخرج من بيروت حياً وأنه سيرى هيلدا وميساء ولما  مرة أخرى فقد كان في عينيه فرح طفولي وكان مرحاً ومتحمساً للكلام والحديث بشكل أعاد الى ذاكرتي الحكيم كما عرفته في الخمسينات . روى لنا قصصاً حدثت أيام حصار بيروت وروى لنا قصصاً عن بطولة المقاتلين وعن إمتنانه لتصرفات  بعض الأصدقاء ومواقفهم معه في الأوقات الحرجة ويشكل عفوي وطبيعي انتقل من الحديث عن أيام حصار بيروت وراح يتحدث عن عبد الناصر ولقائه الأول به ثم عن عشائه معه في بيته في منشية البكري في القاهرة ، وكيف كان عبد الناصر يعيش في منزل بسيط ويرتدي ثياباً بسيطة ويتناول عشاءً بسيطاً ويتحدث بعفوية ودفء.


في الأيام التالية كان الحكيم يستقبل الزوار الذين حضروا ا ليسلموا عليه ويهنوه بسلامة الخروج من الحصار.


كان بعض الزوار يسأل الحكيم عن تصرفات بعض القادة الفلسطينين أثناء الحصار وفي السؤال تلميح واضح يغمز من صلابة أولئك القادة . ومرة تلو الأخرى كان الحكيم يدافع عن الجميع ويرفض التعريض بأي واحد منهم وأبعد ما وصل اليه هو القول بأن الوضع لم يكن عادياً وأنما كان وضعاً صعباً وبالغ التعقيد ويجب أخذ ذلك بعين الاعتبار عند تقييم تصرفات الاخرين.


تذكرت وأنا أستمع لرفض الحكيم المتكرر التعريض بتصرفات الآخرين كلمة فالها والدي قبل أكثر من عشر سنوات وهي إنه لم يسمع أبداً الحكيم يتحدث بشكل شخصي عن أي إنسان آخر. فعدت بذاكرتي أحاول أن أعثر على استثناء لذلك فلم أجد. نعم، كان دوماً يهاجم المواقف السياسية لكثير من القادة ولكنني لم أسمعه أبداً يتكلم باسلوب التجريح الشخصي.


بعد أيام بدأت ألتقي لوحدي بالحكيم ، و في تلك اللقاءات ذكر لي لأول مرة بأنه يفكر في أن يتنحى من منصب الأمانة العامة للجبهة الشعبية في أول فرصة يجدها ملائمة. وشرح لي أنه ينوي القيام بذلك لسببين . الاول هو أنه يعتقد أن على القائد السياسي  أفساح المجال أمام العناصر الشابة بعد بلوغه الستين من عمره. والثاني هو رغبته في ترك مهمات المسؤليات اليومية المباشرة والتفرغ لهمة دراسة المراحل الماضية من النضال وتقييمها من أجل استخلاص الدروس والعبر.


.كان مؤمناً ان تجارب الماضي منذ بداية حركة القوميين العرب كانت تجارب غنية يجب دراستها ونقدها واستيعاب دروسها.وأنه يجب مواجهة المستقبل بثقة لا تتوفر الا بعد هضم كل دروس الماضي.


ألذي أثار أستغرابي في تلك الجلسات هو حماس الحكيم للدور الجديد الذي الذي يطمح في ممارسته وتكريس كل وقته له. ولقد رأيت يومها أن ذلك الحماس ينبع من كون الحكيم ،أولاً وقبل كل شئ اخر، تلميذ يحب أن يتعلم أشياء جديدة.


أما المناسبة الاخيرة فكانت قبل شهور وتخص لقاءً لم يتم في دمشق.


كنت في بيروت في شهر أيلول الماضي واتصل بي من عمان وطلب مني لقائه في دمشق وذلك من أجل التشاور في موضوع يخص أحد مشاريع مركز "الغدالعربي للدراسات" .


ذهبت الى دمشق واتصلت به في عمان ولكنه لم يتمكن من الحضور إلا بعد يوم من عودتي الى بيروت فاتفقنا على اللقاء مرة أخرى بعد شهر.


عندما ذهبت لدمشق في المرة الثانية وسألت اخي أسامة عن موعد مجيء الحكيم فاجأني بقوله أنه لن يتمكن من الحضور لأن وعكة صحية ألمت به .


سارعت بالاتصال به بالتلفون فردت علي هيلدا وشرحت لي وضعه الصحي ثم أعطته سماعة التلفون ليتكلم معي فتصرف كعادة الحكيم ،التي أعرفها جيداً. لم  يذكر كلمة واحدة عن مرضه بل راح فوراً يناقشني في فحوى رسالة كنت قد كتبتها له من بيروت بالاشتراك مع أحمد خليفة ومحمود سويد تخص موضوعاً كان قد كلفنا به. ثم راح يتحدث معي عن موضوع آخر يخص مركز "الغد" كان قد طلب مني ومن بلال الحسن الآهتمام به.


يبدو أن حماس الحكيم قد انتقل إلي فأخذت أتكلم بقوة وبتصميم وفي النهاية قلت له مازحا: ها نحن يا حكيم ، بلال وأحمد وأنا نعمل معك كما كنا آيام "الرأي" فانفجر بضحكة مجلجلة أعادتني فعلاً الى أيام الشباب في منتصف الخمسينات يوم كنت مع أحمد وبلال مسؤؤلين عن تحرير الصفحة عشرة من مجلة "الرأي".


وضعت سماعة التلفون وأنا أشعر بالفرح والسعادة فتذكرت على الفور ما كان يبديه الكثيرون من الإعجاب بقدرة الحكيم المستمره على العمل والتفاِؤل تحت أقصى الظروف.


 



(3)



في الواقع أن الكثيرين من الذين تعاملوا مع الحكيم في السنوات الآخيرة كانوا يستغربون من قدرة الحكيم على الاستمرار في العمل اليومي لساعات طوال في الإشراف على عمل مركز "الغدالعربي للدراسات" الذي أسسه وتفرغ له مباشرة بعد تخليه عن منصب الأانة العامة للجبهة الشعبية ، وهو الذي جاوز الثمانين من عمره، وعنده وضع صحي صعب .


وفي هذا المجال ،أحب أن أقول أن كل من يعرف الحكيم عن قرب كان يعرف أنه الى جانب حسه الوطني المرهف واستعداده للتضحية بدون حدود فأنه كان يحب عمله ويتمتع بتأديته على أفضل وجه. فالعمل السياسي بالنسبة له لم يكن، كما كان بالنسبة لبعض الساسة الاخرين، التزاماً تورط فيه في سنوات الشباب والحماسة والبراءة ، ولم يستطع التحرر منه بعد ذلك لأنه وجد نفسه بدون مهنة أخرى تؤمن له ما يحصل عليه من العمل السياسي .ففي كل مراحل حياته كان العمل السياسي بالنسبة له ناجماً عن اختياره الحر، لآنه كان دوماً يملك بدائل أخرى ( لقد كان الأول في صفه عندما تخرج   من كلية الطب في الجامعة الأمريكية وبدأ حياته كطبيب ما لبث أن كرس عيادته لمعالجة المحتاجين من المرضى).  . ولذلك كان يمارس العمل السياسي بحب وشغف وتفاؤل .


وأهم من ذلك. كان الحكيم ،في العمل السياسي ، يمثل حالة نادرة في أنه كان  يعرف من هو، وماذا يريد، وما هي حدود دوره.


كان مناضلا ثورياً يعيش في مرحلة الثورة المضادة .أي أنه يعيش خارج شرعية الآمر الواقع .


كان يريد أن يغير من ذلك الواقع عن طريق تهيئة الظروف الموضوعية للقيام بحركة نهوض وطني شاملة تسحب الأرض من تحت قوى الثورة المضادة.


كان يؤمن بحتمية الانتصار في تلك المهمة التاريخية مهما طال الزمن وفي نفس الوقت كان مدركاً بان ذلك يحتاج لسنوات طوال وأنه شخصياً لن يعيش في زمن الانتصار.


كان أيمانه العميق بأن ما يقوم به ،بشكل يومي، يعمل علىتقريب ذلك الزمن كافياً لأن يمنحه شعور الرضى والحرية والسلام.


كان شعوره بالرضى عن حياتة وعن عمله  نابع من فهمه العميق لحركة التاريخ الإنساني . كان يؤمن بأن لتلك الحركة على الأمد البعيد خط  صاعد بأتجاه الحرية والتقدم وأن كانت في الآمد القصير  تسلك طريقاً متعرجه فيها هبوط وصعود حول ذلك الخط الصاعد.


كان ذلك الإيمان يحميه من صقيع الزمن الردئ الذي نمر به .ويبعث في ضميره القدرة على تحدي هذا الزمن والاصرار على النضال للوصول الى زمن تنتصر فيه مبادئ الحرية والعدالة والسلام .


كان من القلة النادرة التي تعيش دائما في المركز الحقيقي للأحداث . في قلب إرهاصات الثورة الانسانيةالمستمرة


ولهذا كان صوته  يصل الى كل الفلسطينين في المدن والقرى والمخيمات  فيسمعون فيه صدى ما يجيش في قلوبهم وعقولهم ووجدانهم من إيمان وإصرار وتمسك بالعودة الى فلسطين..


كان صوت الحكيم صافياًً يأتي على نفس موجات الآصوات الحقيقية التي تسمعها


عندما تبرق العاصفة في جبل الجرمق فتضئ سطور غسان كنفاني وتلمع في أبيات محمود درويش  وتتلألأ في لوحات إسماعيل شموط وتتفجر في خطوط ناجي العلي.


ذلك الصوت الذي هو في الواقع الصدى المدوي لصوت يكاد لا يسمع في هذا العالم وهو صوت يتامى وأرامل  وثكالى مخيم جنين ومخيم جبالية ومخيم بلاطة ومخيم الأمعري ومخيم صبرا ومخيم شاتيلا وقانا ....و......و.... .



ولقد تمكن الحكيم من الاحتفاظ بذلك الصوت طوال ستة عقود لآنه كان يتمتع بصفة  نادرة لا يتمع بها الا الشعراء العظام .ألا وهي القدرة على سماع أصوات الصمت.


 وهكذا أثبت جورج حبش أنه أعظم الشعراء على الإطلاق. فلقد سرق ضمير الشعب الفلسطيني طوال النصف الثاني من القرن العشرين..


زمن الحكيم- فضل مصطفى النقيب


 جامعة واترلو - كندا


 


 

-
اطبع المقال/الخبر نسخة للطباعة | مشاركة Facebook
عدد قراء الموضوع : 103
--
Email : pslf.info@gmail.com |جبهة العمل الطلابي التقدمية 2005-2009 ©
Powered & Designed by : khalaf,sobhi